Wednesday, March 13, 2013

“الجيل الثالث” من “بنتلي”

سليانة في 10-03-2013
بيان سليانة
المؤتمر الجهوي الأول لمناهضة العنف السياسي

        في مناخ من الرّوح الوطنية الفيّاضة والوعي العميق بحجم الرهانات والتحدّيات الماثلة في طريق المسار الثوري الذي خاضه ويخوضه الشعب التونسي العتيد بكل فئاته ومكوّناته من أجل غد أفضل لأجياله المتعاقبة غايته التحرّر الوطني والانعتاق الاجتماعي، وأداته الشراكة الحقيقية في إدارة الشأن العام كلاّ من موقعه، والتنافس الشريف على الإضافة الخلاّقة لما فيه الخير العميم للجميع والمستقبل المشرق للجميع، وبتنظيم ودعوة من "التنسيقية الجهوية: انتفاضة سليانة نوفمبر 2012" ، اِنعقد المؤتمر الجهوي الأوّل للحوار حول نبذ العنف السياسي أيّام 8و9و10 مارس 2013 بالمركّب الثقافي بسليانة. وقد لقي المؤتمر إقبالا مشهودا من العديد من القوى السياسية وفعاليات المجتمع المدني والرموز الثقافية والمبدعين والإعلاميين ، وحضورا جماهيريا من مختلف الفئات الشعبية بالجهة، وسادته أجواء احتفالية متنوّعة جمعت بين إلقاء الخطب الحماسية والعروض الموسيقية والقراءات الشعرية وصولا إلى الجلسات العلمية التي قُدّمت فيها ثلاث محاضرات حرصت أن تكون أقرب ما يكون من المعالجة العلميّة الأكاديمية لقضية العنف السياسي وجاءت على التوالي :
        1- النضال المدني السلمي وأشكاله (د.شكري المبخوت).
        2- علاقة الدين بالسياسة (د. الطاهر شقروش).
        3- العنف السياسي وتداعياته (د. جوهر بن مبارك)
        وتفاعل الحاضرون بقاعة المؤتمر بإيجابية وعمق مع هذه المحاضرات عبر الأسئلة الدقيقة والمداخلات المركّزة التي مثّلت إضافة وإثراء للحوار حول هذه القضية المعقّدة: قضيّة العنف السياسي وخطرِه المُحْدِق بالثورة المجيدة ومستقبلِ الوطن والشعب المتطلّع إلى غد تسوده الحرّية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وثقافة المواطنة وحقوق الإنسان والتداول السلمي على السّلطة...
وفي مستهلّ مداخلاتهم أشاد المحاضرون الثلاثة بالشكل النضالي السلمي الذي ابتكرته سليانة في انتفاضتها التاريخية في نوفمبر 2012 عند ما قام أهاليها من مختلف الفئات بهجرة جماعية رمزية من المدينة تاركين للسلطات السياسية التي لم تُصْغِ جيّدا لمطالبهم المشروعة حيطانَ المدينة وفضاءاتِها الخالية من الوجود البشري ليواصلوا فيها سياسة الآفاق المسدودة. كما أكّد المحاضرون الثلاثة سواء في مداخلاتهم أوتفاعلاتهم مع أسئلة المؤتمرين وتدخلاتهم على خطورة الوضع بتونس الثورة، خطورةً بلغت ذروتها باغتيال المناضل السياسي الفقيد الشهيد شكري بالعيد، ممّا يُنذر بانزلاقات رهيبة نحو دوّامة العنف والعنف المضاد ويهدّد مستقبل البلاد والعباد وينحرف بالثورة عن مسارها، الأمر الذي يقتضي تيقظا ووعيا وحكمة وتبصّرا من كل الشركاء والشرفاء في  هذا الوطن العزيز.
        ومن هنا جاء تركيز المحاضرين على تحديد المفاهيم وتحليل ظاهرة العنف السياسي انطلاقا من قراءات  تحليلية للتّجارب الإنسانية عبر تاريخها الطويل مع العنف بمختلف خلفياته ومحرّكاته وشروط إنتاجه وموجّهاته العقائدية والسياسية والاجتماعية والأيديولوجية وغيرها، وما يتخذه من أشكال وتجليات تتراوح بين الرّمزي والمادي وما يخلّفه من آثار مدمّرة لإنسانية الإنسان ، مشدّدين على أنّ البشرية قد توارثت مقولات كثيرة وخطيرة تتّفق من حيث الجوهر في شَرْعنة العنف وتبريره والتنظير له ، وإن اختلفت من حيث المنطلقات والغايات من قبيل : "الجهاد المقدّس" و"العنف الثوري" و"ما افتُكّ بالقوّة لا يُستردّ إلاّ بالقوّة" و"لا حرّية لأعداء الحرّية" وغيرها كثير، وكلها تعبّر عن أزمة عميقة في الفكر مدارها (الأنا والآخر ) وما يحُفّ بها من تمثّلات تقوم أساسا على التنافي والتصادم العنيف بدل التضامن والتكامل والتعاون ونشرِ ثقافة السلام العادل والشامل... موضّحين أنّ الدّين الإسلامي وسائر الأديان الكتابيّة في جوهرها دعوة إلى الإخاء الإنساني والمحبّة والتسامح... ولكن التوظيف السياسي والفهم القاصر والنوايا المشبوهة هي التي تحوّلها إلى أداة عُنفيّة تعادي الآخر وتعمل على إقصائه وصولا إلى تصفيته وتدميره... مؤكّدين أنّ السياسي لا يتّخذ من الدين فقط قاعدة ًلتبرير عنفه وفرض سلطته القهرية، وإنما يستند كذلك إلى أنساق فكرية أخرى تشرّع للعنف باسم الطبقة الاجتماعية ، أو المجموعة العرقية ، أوغيرها من الأنساق المتشكّلة حول مختلف محاور التمايز البشري. وتاريخ الإنسانية الطويل يُثْبت أنّ الحركات الثورية التي قامت على أسس دينية أوعرقية أو طبقية أو غيرها ، أو أطردت المحتلين و أطاحت بالديكتاتوريات، سرعان ما استطابت العنف وجعلته أداتَها في توطيد أواصر سلطتها وبسطِ نفوذها وفرض أيديولوجيتها، معيدة بذلك إنتاج نفسِ السلوك العُنْفي الذي كان يمارسه المحتل أو المستبدّ، وتضيق دائرة الأمل تدريجيا، ويُختزل الحُلم الشعبي في الحزب القائد، ثم في مجلس قيادة الثورة ثم في الشيخ الرّبّاني أوالزعيم القائد البطل الملهم الفذ الخالد، ويأخذ العنف تمظهرات كثيرة تُسلَّط بأساليبَ قهرية بشعة على سائر مكوّنات المجتمع من أبرزها :
v   العنف الاجتماعي : بالإقصاء والتهميش لقطاعات اجتماعية واسعة، وممارسة سياسة التنمية اللامتكافئة والاقتصاد المفيوزي، وإلقاء الطاقات الشبابية الصاعدة الواعدة في محارق البطالة ...
v   العنف الديني : بِفرض نوع من  التديّن ومظاهرِه ورموزِه على الناس بالإكراه ، أو منع الناس من ممارسة شعائرهم الدينية وحملهم على ازدراء الأديان والاعتداء على تعبيراتها المادية والرمزية، وكلا السلوكين عُنفيٌّ في جوهره لأنّه يضرب حقّا أصيلا من حقوق الإنسان وهو حرّية المعتقد والضمير ...
v   العنف الثقافي : بإجبار الناس على استهلاك مادة ثقافية محدّدة مسبقا، وتقييد حركة المبدع داخل بوتقة مُحْكَمة الإغلاق تدور في فلك الدّكتاتور وتسبّح بحمده ... في طقوس فَجَّة ذاتِ حركة واهتزاز ولا معنى...
v   العنف التربوي : ويكون بإسقاط نُظُم تربوية على المدرسة والناشئة تستهدف تخريج أجيال من العُلب الكرتونية المتماثلة الخاوية من كل حسّ نقدي ، الفارغة من الزاد المعرفي والكفايات المَهَاريّة التي تؤهلها لمجابهة مشكلات الحياة ومقتضياتها...
v   العنف الأسري : بتأجيج الصراع بين الأجيال وبين المرأة والرجل عبر تصوير العلاقة على أنها نزاع فرض إرادات  يسعى فيه  كلّ طرف إلى أن يكون  المتحكّم المطلق ويُخضع الآخر قَسْرا لمشيئته ... ولهذا الجو الأسري المحتقن تأثيرُه العميق في سلوك الأبناء والبنات الذين يخرجون إلى المجتمع باستعدادات عُنفيّة رهيبة ومرشحين للتوظيف السّهل من قبل المجموعات التخريبية ...
v   العنف السياسي : وعلى هذا النحو يكون العنف السياسي الوليدَ الطبيعيَّ لكل الأشكال العُنفيّة السابقة الذِّكْرِ والمترجمَ لها، بل إنّ السياسي هو الذي يشرّع لها وينتجها ويمارسها ويَحْمِل الآخرين على مواجهته بمثلها وأشدّ . غير أنّ تاريخ البشرية لم يَخْلُ من محطات مضيئة واجهت فيها الشعوب عنفَ المحتل أوعنف المستبدّ باللاّعنف وبأشكال التحرّك السلمي (مثل الهند، والكونغو، وحركة مارتن لوثركنغ ضد الميز العنصري في أمريكا وغيرِها من حركات التحرّر في العالم قديما وحديثا...) ، وهذه إشراقات يمكن البناء عليها...
        وخلاصة القول، فإنّ التنظير للاّعنف والدعوات المتصاعدة في كل أنحاء العالم إلى النضّال من أجل استرداد الحقوق المسلوبة بالطرق السلمية هو ثمرةٌ مُستَفادةٌ من تجارب البشرية المريرة مع العنف أداةً لتحقيق المطالب وما خلّفه من نتائج بشعة بكل المعايير والمقاييس. فسياسة اللاّعنف تمثل اليوم توجّها عالميا مرادفا للتسامح والتآخي الإنسانيين ومؤسَّسا على قاعدة ثقافة حقوق الإنسان في أسمى معانيها وأبعد مدلولاتها. تلك الثقافة الّتي تمثل أقومَ المسالك إلى بناء ديمقراطية حقيقية وإرساء الدولةِ المدنيّة : دولةِ القانون والمؤسسات والمواطَنة (بما هي تلازم وطيد بين الحقوق والواجبات)، وحسن إدارة الاختلاف والتداول السلمي على السلطة ...
        واستنادا إلى كل ذلك فقد خرج المؤتمر بالتوصيات التالية :
        1- اِعتبار العنف بشكلية الرَّمزي والمادي أداةً يجب شطبُها نهائيّا من كل أشكال التعاطي السياسي، والمتورط فيه فردا كان أو جماعة لا انتماء له، ومن يبرّر فعلَه أو يمارس التغطية عليه هو شريك له في الجريمة ...
        2- إنّ المدخل السليم إلى بناء استراتيجيا وطنية لمناهضة العنف هو التوجه رأسا إلى تفكيك قاعدته الاجتماعية والاقتصادية والأيديولوجية والثقافية المنتجة له ...
        3- وجوب التصدّي لمظاهر التحيّل على القانون المتمثلة في بعث جمعيات تحت عناوين تُوهِم بأعمال مدنيّة نبيلة ثم سرعان ما تتحول إلى تشكيلات ميليشياوية مُلْحَقة ببعض التنظيمات السياسية (مثلَ روابط حماية الثورة وما كان على شاكلتها من الأذرع العنفيّة الحزبية...)
        4- دعوة النسيج الجمعياتي وسائر مكوّنات المجتمع المدني إلى حسن الاضطلاع بمسؤولياتهم الاستراتيجية في منع المجتمع السياسي (سلطةً ومعارضةً) من التغوّل في الأوساط الشعبية وتوتير الأجواء بالمهرجانات الخطابية التعبوية التي تخوض على الدوام حملات انتخابيّة مفتوحة مدجَّجة بمنسوب زاخر من الوعود الشعبويّة ترفع منسوب الاحتقان بين أبناء الوطن الواحد وتهدّد الوحدة الوطنية بالتفكّك ، وذلك بتكثيف الأنشطة المُشِيعة لثقافة اللاّعنف والمدرِّبة للقوى الحيّة والصاعدة منها بالخصوص على الأعمال المدنية النبيلة ...
        5- العمل على تحييد دُورِ العبادة والفضاءات التربوية (رياض،مدارس،معاهد...) عن التوظيف السياسي والأيدويولوجي، وكذلك الشأن بالنسبة إلى سائر المنظمات المهنية والمدنية والإدارة وغيرها من المرافق العامّة...
        6- رفض أي فعل أمني خارج أجهزة الدولة الرسمية مهما كانت الجهة المبادرة به ومهما كانت نواياها ، ذلك أنّ سلامةَ الأشخاص والممتلكات العامة والخاصة وبسط الأمن والاستقرار هي مسؤولية الدولة وحدها عبر أمن جمهوري مُعبّإ بثقافة أمنية جديدة قائمة على مبادئ حقوق الإنسان وخدمة المواطن ، ومحصّن بقوانين تضبط مهامَّه وتدخلاتِه، ومُصان في كرامته ماديّا ومعنويّا، ومجهَّز بأدواتِ عمل ذاتِ جودة وجدوى وفاعلية في فرض الأمن دون أن يُعرِّض سلامة الناس وسلامته إلى الخطر...
        7- تنشيط دُور الثقافة والشباب والأندية الرياضية بما يجعلها خيرَ حاضنة للفعل الإبداعي الشبابي في كل الفنون: لِمَا لِتعاطى الفنون إنتاجا واستهلاكا  والأنشطة الرياضية من دَوْر فعّال في الترقّي النفسي والذهني والسلوكي للإنسان...
        8- دعوة كل المشتغلين في الحقل السياسي إلى ترشيد إدارة الاختلاف بينهم والابتعاد عن الخطاب التصفوي الإقصائي الذي يؤجج الاحتقان والتعادي داخل الأوساط الشعبية وربما أدّى إلى ألوان من التصادم العنيف بين أبناء الجهة الواحدة والمنطقة الواحدة والحي الواحد ... والمتضرّر في الأخير هو الوطن الواحد والشعب الواحد ...
        9- حثّ الفاعلين في الحقل الإعلامي المكتوب والمرئي والمسموع والناشطين في المواقع الافتراضية على الالتزام بأخلاقيات المهنة والعمل على الإنارة والقطع مع الإثارة ، وبذل مزيد من  الجهد في وضع أسس متينة لإعلام حرّ نزيه راق مسؤول ينير ولا يثير ...
      10- نداء إلى رجال الفكر والمعرفة والأكاديميين كي يأخذوا مكانهم الطبيعي في تأثيث مسار الثورة بالمعارف المتينة في كل المجالات بعيدا عن التجاذبات والمهاترات السياسويّة التي تُكبِّل بدل التحرير، وتًعَتِّم بدل التنوير...
معا لمناهضة العنف مهما كانت مرجعياته ومبرّراته
عاشت نضالات الشعب التونسي وثورته المجيدة              
 المجد والخلود لكل شهداء تونس الأبرار          
  

No comments:

Post a Comment

مواضيع عشوائية

مساحة اعلانية

عرض المزيدرياضة

عرض المزيدفنون

عرض المزيدسياحة

عن الموقع

صفحتنا